هل سنبقى أسرى التاريخ للأبد؟!

الزميل ميرزا الخويلدي كتب في صحيفة الشرق الأوسط مقالاً قيّماً عن اجترارنا للمنغصّات التاريخية التي مرت علينا منذ قرون، الأمر الذي لم تقم به الأمم والدول المتقدمة، ضارباً مثلاً بتغلب اليابانيين على الكارثة التي حلت بهم أواخر الحرب العالمية الثانية، بضرب هيروشيما وناغازاكي بالقنابل الذرية الأميركية، وإفناء ما يزيد على 140 ألف روح. لكن اليابانيين نسوا أو تناسوا ذلك وأصبحوا أوثق حلفاء للولايات المتحدة، بل ونافسوها وتغلّبوا عليها في أكثر من ميدان علمي متقدم في صناعة السيارات والالكترونيات وغيرها.
الخويلدي وصف حالنا بالقول: «اليوم أصبح التاريخ عبئاً على حاضرنا ومستقبلنا، يقيم علاقاتنا، ويرسم خطوط تواصلنا ويصيغ شكل الهويات حولنا، ويمنعنا قسراً من رؤية الإنسان الشريك في الوطن والحياة، إلا من خلال التاريخ وقوالبه وأحكامه، لم نعد نحتمل كل هذا التاريخ يسير أمامنا مكانه الطبيعي خلفنا، المستقبل هو من يجب أن «يقودنا».
وأنا أشد على يد الزميل الخويلدي على ذلك التشخيص الدقيق لبؤس حالنا، بسبب غرقنا في الماضي السوداوي، فبعضنا لا يريد أن ينفك عما حصل بين الأفرقاء من أجداد أجدادنا، ولا أدري ما الفائدة التي يستجلبها ذلك التاريخ وتلك النزاعات والحروب العبثية التي دارت آنذاك؟!
وقد تخلّصنا أيام المد القومي الناصري مؤقتاً من استجلاب أو استحلاب تلك النزاعات التاريخية السوداء.. ولكن وقعنا فريسة تاريخ سوداوي قريب، وهو صراعنا مع الدولة اليهودية وانتصارها علينا، وضرورة تحرير فلسطين من أيدي الصهاينة الغزاة.. وظللنا «نعلك» في تلك القضية واقعين أسرى لها طوال السنوات الــ60 الماضية من دون تحقيق أي نجاح يذكر فيها.. أو أي تقدم بمجتمعاتنا بسببها!!
لتأتينا الآن نغمة جديدة استحضرناها من أمعاء التاريخ، وهو النزاع بين الخلافة العثمانية والدولة الصفوية الذي دار منذ قرون!!.. فهل يعقل أن نظل نجتر تلك الأحداث التاريخية التي دارت وانتهت وزالت، لنقوم نحن باستحضارها وبإصرار؟!
والمفارقة ان النزاع الذي استحضرناه أخيراً لم يعد موجوداً في أذهان فرقائه الأصليين، فنرى العلاقة بين الأتراك والفرس هي مثل «السمنة على عسل»، إلا أننا وبكل أريحية حللنا محل هذا أو ذاك من أطراف ذلك العداء الذي ليس له جدوى، ولكننا لا نستطيع أن نعيش خارج طبعنا الذي يغلب دوماً تطبعنا.. فنحن آلينا على أنفسنا الا أن نعيش أسرى التاريخ، حتى لو كان أسودَ ومظلماً!
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

***
علي أحمد البغلي
القبس

إغلاق