متى نحتفل بزوال نفوذكم؟!

الثورة الفرنسية المجيدة التي حدثت عام 1789 سنّت الكثير من القوانين المضادة للاتجاه الأصولي الكاثوليكي الذي حكم فرنسا في القرون الماضية بظلامية متناهية.. حيث سيطرت الكنيسة الكاثوليكية على نظام التعليم في فرنسا سيطرة كاملة، ومنعت حرية الفكر والتعبير والضمير والمعتقد في كل أراضي المملكة الفرنسية -قبل الثورة- وكانت تقوم مثل ما يقوم به أقرانها الآن بين ظهرانينا من إخوان وسلف، باضطهاد اتباع المذاهب الأخرى مثل المذهب البروتستانتي، وتشريدهم في جميع أنحاء العالم، أو تجعلهم يشعرون بالغربة في أوطانهم.. وهو ما قام به حكم مرسي، وما يقوم به داعش والنصرة والقاعدة، ومن لف لفهم! جاءت الثورة الفرنسية، وما تلتها من سنوات وعقود وقرون لتتخلص فرنسا شيئاً فشيئاً من نير التيار الأصولي الكاثوليكي الظلامي، فسنت القوانين بين عام 1901 – 1904 لتمنع رجال الدين من ممارسة التعليم في المدارس الفرنسية، لأن عقليتهم تبث سموم المذهبية والطائفية، وتحدث الفرقة بين أبناء الشعب الواحد والمتعدد الأصول والعروق في آن واحد.. وصادرت الدولة هناك (كما يقول زميلنا هاشم صالح في جريدة الشرق الأوسط 21 يناير الجاري) أملاك الجمعيات الرهبانية، وطردت ما لا يقل عن 30 ألف راهب وراهبة اضطروا للانتقال للخارج، والعيش في المنفى.

وفي أثناء ذلك أغلقت الحكومة العلمانية الفرنسية 14 ألف مدرسة دينية كاثوليكية، وضاعفت المراقبة والتضييق على طبقة الاكليروس أو رجال الدين.. وهذا قليل في حق الكنيسة الكاثوليكية التي أنشأت محاكم تفتيش، ولاحقت المفكرين والعلماء والناس العاديين، وقتلت كثيرا منهم وحرقت الآخرين، وحرمت تداول كتب مفكرين وعلماء عباقرة على مستوى الإنسانية، أمثال ديكارت وغاليليو وسبينوزا وفولتير، معتبرة إياهم مهرطقين وزنادقة، وأطلقت الفتاوى بحقهم ولاحقتهم حتى فروا بأرواحهم لبلدان أخرى..

فرنسا تحتفل الآن بمرور قرن على قوانين التنوير التي غلت يد الكنيسة الكاثوليكية عن الخوض في السياسة والتعليم والثقافة، وذلك بصدور قانون عام 1905 بفصل الكنيسة عن الدولة، بمعنى أنه لا يحق للكنيسة أن تتدخل في الشؤون السياسية بعد اليوم.. ولا يحق للدولة أن تتدخل في الشؤون الدينية.. فمتى نحلم نحن بتشريع مماثل يغل يد أصوليي التكفير والقتل وأعداء حرية الرأي عن الخوض في شؤون الحياة والتعليم والسياسة؟! وبأن يقتصر عملهم ومواعظهم على مساجدهم ومنابرهم، فنحن لم نجن من التسلط الأصولي على أمور حياتنا إلا الخواء وتقييد الحريات والتكفير، وإلغاء الآخر، في حين أننا نتمتع بدستور متنور بامتياز، بإمكاننا لو طبقنا مواده ومبادئه الحقة النيرة، لنقلنا من حال سيئ إلى حال أفضل حتماً، فمتى نحتفل بزوال نفوذكم، مرة وللأبد؟!

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

***

القبس

مقالات ذات صلة

إغلاق