الثلاثاء ، 21 نوفمبر 2017

مؤرّخ إسلامي يحمي كتابه من السرقة بطريقة مبتكرة

حقوق الملكية الفكرية هي الشغل الشاغل لكل المؤلفين والشعراء والكتّاب و الموسيقيين و المطربين، وسواهم. ومن أجل حماية هذه الحقوق سُنّت قوانين داخل الدول، وعقدت اتفاقيات ما بين أمم الأرض، أو أغلبها من الموقّعين على اتفاقيات حقوق الملكية الفكرية، تلك التي تتعرض لانتهاكات مختلفة تبدأ بالاقتباس أو التضمين دون الإشارة إلى المصدر، أو تنتهي بأفدح انتهاك لحقوق الملكية الفكرية، وهو «الانتحال».

إلا أن مؤرخاً ورحالة إسلامياً، ابتكر طريقة خاصة به لحماية مؤلفه من السرقة أو النقل أو نسبته إلى غير مؤلفه، وهو المؤرخ الإسلامي الشهير والرحالة علي بن الحسين المسعودي، والشهير بالمسعودي، والمتوفي سنة 346 هجرية. مؤلف الكتاب ذائع الصيت: «مروج الذهب ومعادن الجوهر».

الرحالة والمؤرخ المسعودي، بعدما انتهى من وضع مؤلفه الأشهر «مروج الذهب..» حذّر كل من تسوّل له نفسه، من أن يتجرّأ فيحرّف أو يبدل في كتابه، وكذلك من ينسب كتابه إلى سواه. فعمد إلى شيء سمّاه «التخويف» وضعه في أول الكتاب، ثم وضعه، مرة ثانية، في آخر الكتاب، منعاً لسرقته أو التصرف به أو نسبته إلى سواه وتبديله أو تغييره.

وقال المسعودي في آخر مقدمته لكتابه «مروج الذهب..»: «وقد جعلتُ هذا التخويف في أول كتابي هذا وآخره، ليكون رادعاً لمن ميله هوى، أو غلبه شقاء، فليراقب الله ربّه».

لكن ماذا ورد في هذا «التخويف» الرادع، كما سمّاه المسعودي، لمنع الآخرين من سرقة مصنّفه أو التغيير فيه أو نسبته إلى غيره؟

تخويف المسعودي، كان عبارة عن دعاء مزلزل توجّه به ضد كل من يقوم بنسبة كتابه إلى سواه أو التبديل فيه، بل وأكثر من ذلك: «فمن حرّف شيئاً من معناه، أو أزال ركناً من مبناه، أو طمس واضحةً من معالمه، أو لبّس شاهدة من تراجمه، أو غيره، أو أبدله، أو اختصره، أو نسبه إلى غيرنا، أو أضافه إلى سوانا، فوافاه من غضب الله وسرعة نقمه وفوادح بلاياه ما يعجز عنه صبرُه، ويحار له فكره، وجعله الله مثلة للعالمين وعبرة للمعتبرين وآية للمتوسمين، وسلبه الله ما أعطاه وحال بينه وبين ما أنعم به عليه من قوة ونعمة مبدع السموات والأرض، من أي الملل كان أو الآراء، إنه على كل شيء قدير».

هذا الدعاء المزلزل ضد كل من يمكن أن يسلب منه كتابه، تحريفاً أو تغييراً أو نسبته إلى غير مؤلفه، اعتبره المسعودي «تخويفاً رادعاً» وضعه في أول كتابه، ووعد قراءه بأنه سيضعه أيضاً في آخر الكتاب. وهذا ما حصل، بالفعل.

وحقاً، فقد أعاد المسعودي، في الورقة الأخيرة من كتابه، نشر دعائه المزلزل ضد كل من قد يقوم بالسطو على مؤلَّفه هذا، أو ينسبه إلى سواه أو يحرّف فيه أو يبدّل.

ويستدرك المسعودي ما فاته في دعائه الذي نشره أول الكتاب، بإضافة جريمة أخرى لم يشر إليها في المقدمة، وهي جريمة «الانتحال» وهي ادّعاء أحد غيره تأليف الكتاب، وكذلك يتوجّه بالدعاء ضدّ من لا يشير إليه كمصدر للمعلومات: «.. أو انتحله.. أو أسقط منه ذكرَنا».

وتحوّطا مما ورد في دعاء المسعودي، الذي نشره «تخويفاً وردعاً» في أول كتابه وآخره، ضد كل من قد ينسب كتابه إلى غيره أو ينتحله أو يسقط منه ذكره، فنقول إننا اعتمدنا على نسخة «مروج الذهب ومعادن الجوهر» لمؤلفها علي بن الحسين المسعودي، وتلك الصادرة بأربعة أجزاء، عام 2005 عن «شركة أبناء شريف الأنصاري للطباعة والنشر»، بيروت، وبالاشتراك مع «المكتبة العصرية» و»الدار النموذجية» و»المطبعة العصرية». وقد أشرف على تحرير تلك النسخة ومراجعتها وتحريرها، كمال حسن مرعي.