تبدُّل اللاعبين في السياسة الدولية

في السياسة الدولية عادة ما تنتهي الازمات الدولية بلا غالب ولا مغلوب بين الدول الكبرى، بينما تخسر العديد من الدول الصغيرة مكانتها وأموالها لتدخل في سلك الخاسرين.. فالدول الكبرى في لعبة «الشطرنج الدولية» لا تهتم بخسارة بعض أوراقها والتضحية ببعض حلفائها الذين قد تقدمهم «هدية» للطرف الدولي الآخر.. فالذين لا يخسرون عادة هم الكبار، أما الصغار فهم ضحايا للصراعات الاستراتيجية الكبرى.. لذلك، علينا التمعّن في القرار الاستراتيجي الذي اعلنه الرئيس ترامب بسحب كل او أغلب قوات بلاده المتبقية من مواقع الصراع في منطقة الشرق الاوسط، وبالأخص أفغانستان وسوريا.

وقرار الانسحاب من أفغانستان كان متَّخذاً من الرئيس باراك أوباما عام 2008، على أن ينتهي من ذلك عام 2011، لولا التأخير التكتيكي الذي أجّلها الى اليوم ليأتي الرئيس ترامب ويطبّق احد أهم وعوده الانتخابية.

خروج القوات الاميركية سيحدث فراغاً كبيراً في منطقة آسيا التي تضم دولاً ناشطة؛ كالصين المنافس الاقتصادي الاول لاميركا وايران وباكستان، ناهيك عن روسيا التي اصبحت لاعبا اساسيا في سوريا وما حولها، وعاملاً ضاغطاً على السياسة العربية في تحديد مستقبلها، خاصة مع قرب رجوع سوريا الى جامعة الدول العربية بعد تبدُّل موازين القوى فيها وانتهاء الصراع الداخلي هناك تقريباً بسيطرة الحكومة السورية على اغلب اراضيها.

هذا الفراغ «شبه المفاجئ» أربك الإسرائيليين الذين باتوا مكشوفين لقوى متحفّزة في منطقة ما زال الصراع فيها مستمرّاً منذ عقود.

ولعل الدول العربية التي خاضت صراعات بينية تحتاج فترة استراحة واعادة رسم سياساتها المستقبلية بفكر استراتيجي جديد، يعتمد على قواها الذاتية بالدرجة الاولى واتفاقيات ذات رؤية جديدة تأخذ بعين الاعتبار تغيُّر موازين القوى في منطقة صراعاتها كي تتفادى الكثير من المطبات السياسية، خاصة ان حسابات القوى الكبرى تأخذ بعين الاعتبار مصالحها الخاصة من دون الاهتمام بحلفائها الصغار.

عبدالمحسن يوسف جمال

القبس

إغلاق