الفلسفة بين الإلحاد والإيمان

لعل الحوار بين الفلاسفة المنكرين لوجود خالق للكون والفلاسفة المؤمنين بوجوده، يجري في الغرب بدرجة أكبر بكثير مما يجري في الشرق. فالحرية في ابداء الرأي هناك، وحرية البحث العلمي، والحوارات العلمية التي يحضرها الآلاف من المستمعين، تجعل الحوار اكثر متعة والبحوث متواصلة بكل جدية.
ومع تطور الاكتشافات العلمية يتطور النقاش بتأييد اكثر لوجود إله قادر وخالق لهذا الكون وما فيه من مخلوقات.
ولقد أحدثت نظرية «الانفجار الكبير» للكون حراكا فلسفيا عميقا جاء لمصلحة ان الكون كانت له بداية، وانه محكم، وان كل شيء فيه دقيق جدا، ولو حدث اي تغيير، ولو بنسبة ضئيلة جدا، لما وجدنا كونا نعيش فيه! وان من يحافظ على هذه القواعد والنسبة الدقيقة هو الاله.
وكذلك الحال بالنسبة الى اكتشاف الحمض النووي (D.N.A) الذي احدث ثورة علمية سنجد نتائجها العظيمة في المستقبل القريب، جعلت الفلاسفة الملحدين يقفون حائرين امام هذا الاكتشاف الصارخ بضرورة وجود خالق نظم الجينات البشرية بهذه الدقة والتي على اساسها تنشأ الحياة وتستمر.
ذلك كله دعا أحد أكبر فلاسفة الإلحاد وهو الفيلسوف البريطاني انطوني فلو لاعلان ايمانه بوجود خالق حكيم لهذا الكون المعقد والبالغ الدقة.
هذا التحول الى الايمان الذي حدث له عام 2004 ما زالت انعكاساته تثري نقاشا فلسفيا متواصلا في الغرب بالرغم من ان الفيلسوف فلو غادر الحياة عام 2010.
الحوار الفلسفي في الغرب يتركز على عدة قضايا، منها وجود اله، وحرية الانسان، والخلود، وهي قضايا تناولها القرآن الكريم بأكثر من زاوية وطلب من المسلمين التفكر فيها ومناقشتها بحثا ودراسة. وهناك العديد من الكتب التي ناقشت هذه القضايا وطرحها علماء المسلمين، الا ان حرية الرأي والبحث العلمي في الغرب جعلتهم يتفوقون على الشرق بخطوات واسعة، جعلت الفلاسفة المعاصرين اكثرهم من الغرب.
والمطلوب اليوم في عالمنا الاسلامي التركيز على هذه الجوانب الفلسفية في البحوث العقائدية، خصوصا من قبل الحوزات الدينية التي خرّجت الكثير من الفلاسفة المدافعين عن وجود الاله والذين ما زالت كتبهم تشهد على قوة حجتهم، ورسوخ ايمانهم. كما ان بعض الجامعات في الشرق اخذت بدراسة الفلسفة المقارنة لتكون بداية التلاقح العلمي بين الفلسفتين الغربية والشرقية في اثبات وجود الخالق لهذا الكون الشاسع الذي حيّر العقول، وجعله محل بحث وتفكير لأولي الالباب. ولعل هذا التقارب الايماني الفلسفي يكون مدخلا للتلاحم بين الشعوب بعيدا عن هموم السياسة وافرازاتها السلبية.

***
عبدالمحسن يوسف جمال
القبس

إغلاق