العدالة والمعيار السياسي

من الواضح أن هناك توجهاً لكثير من العرب لبدء التطبيع مع الكيان الصهيوني والقبول بالأمر الواقع.
وبدأ كثير من اصحاب التوجهات القومية والاسلامية للعمل الدؤوب على تفعيل هذا التوجه، وتهيئة الرأي العام العربي للتطبيع مع الكيان الصهيوني، واستغلال المناسبات الجماهيرية السياسية والدينية لاطلاق مثل هذه التصريحات.
وفي احدى الندوات الاخيرة التي اقامتها بعض التجمعات الدينية للدعم السياسي لبعض القوى السياسية المقاتلة في البلاد العربية، فوجئ الناس بأن احدهم دعا الى عدم اعتبار الكيان الصهيوني عدوا اول للعرب والمسلمين! واعتبر ان هناك اعداء غيره، حيث انه يأتي في مرتبة لاحقة لهم.
وعلى الرغم من ان الاسرائيليين هذه الايام يعيثون فسادا في قبلة المسلمين الاولى ويقتلون الشباب الفلسطينيين بدم بارد، لكونهم يتظاهرون دفاعا عن المسجد الاقصى والمطالبة بحقوقهم الانسانية البسيطة، فإن كل ذلك لم يمنع بعض اصحاب التوجهات الاسلامية للتقرب منهم وعدم اعتبارهم عدوا أول لامة العرب والمسلمين!
ولا ادري اذا كانت هذه الرسالة وصلت الى الشباب الفلسطيني المقاوم للاحتلال لترك بلده والتوجه الى مواقع عربية اخرى يكون فيها الجهاد اولى؟!
دعوة هذا «الاسلامي» تناست القرآن الكريم، وقوله تعالى: «لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا» (المائدة: 82).
وحين ندرس ما يحدث بعد ما يسمى «الربيع العربي» من فوضى مخطط لها في البلاد العربية وتصريحات كهذه، فسنعرف ما هو السيناريو الذي يرسم لنا في اسقاط بعض الانظمة العربية.
المفاجأة ان اصحاب التوجهات الدينية هم السباقون لخلق مناخ التصالح مع العدو الصهيوني، رغم ان مقاييس الاسلام تدعونا للعدل في اصدار الاحكام العامة والخاصة بقوله سبحانه: «يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى» (المائدة 8).
بين هذه التربية القرآنية وبين الواقع المر الذي نعيشه تصدر احكام ما أنزل الله تعالى بها من سلطان، ممن يدعون انهم قيادات دينية للشباب العربي، الذي اصبح وقودا لصراع اممي تقوده الدول الكبرى التي جعلت بلادنا العربية ساحة لتصفية الحسابات.
اللهم نسألك الإيمان والعدل في استصدار الأحكام، وأن نُرزق العقل والفطنة.

***
عبدالمحسن يوسف جمال
القبس

إغلاق